نستعيد في ذكرى رحيل المبدع غسان كنفاني، ذكرى مبدع عربي آخر، تقاطع مع غسان في هواجسه السياسية والثقافية والإنسانية.. وفي حلمه العريض برؤية الإنسان العربي حراً، كريماً، ومتحرراً من كابوس الاحتلال، والاستبداد والعسف في كل أشكاله. نستعيد اليوم صورة الكاتب المسرحي سعد الله ونّوس.. بعد أربعة عشر عاماً على رحيله.. وكأننا نسمع صدى صوته الهادئ.. العميق يتردّد في صالة غارقة في الظلال، يتلو كلمته الشهيرة في يوم المسرح العالمي: «نحن محكومون بالأمل، وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ».
ولعل في استعادتنا صوت سعد الله، وصورة غسان في ربيع الثورات العربية اليوم، له دلالة، وطعم، ورائحة تختلف عن كل السنوات الماضية التي أثقلت أرواحنا بوطأة الهزائم، والانكسارات، واستبداد الأنظمة، وعنصرية الاحتلال الإسرائيلي، وتمادي طغيانه وعتوّه، والسبب أننا لأول مرة منذ نصف قرنٍ تقريباً، نرى هذه الصحوة العظيمة لجماهير الشارع العربي من أقصاه إلى أقصاه وهي «تقرع جدران الخزّان»، وتثبت فعلاً، لا قولاً: «أننا محكومون بالأمل.. وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ». نعم.. الشعوب العربية تصنع اليوم بحناجرها الهادرة، وصدورها العارية، تاريخاً جديداً، وصفحات مشرقة تفتح الأفق أمام غدٍ آخر لشعوبنا العربية، التي طالما تحمّلت بصبرٍ، وذاقت كل ألوان القهر والعذابات، بانتظار ساعة الحسم والتغيير الجوهري في حاضرها ومستقبلها، وبالتالي ما كان يؤمن به، ويُراهن عليه غسان كنفاني، أو سعد الله ونوس، أو غيرهما من المثقفين العرب التنويريين، حول قدرة الشعوب العربية، وإرادتها في صنع التاريخ، لم يكن مجرّد وهمٍ، أو أحلام رومانسية لنخبة مثقفة، وإنما رؤية استشرافية عميقة لسيرورة التاريخ، وتحوّلاته، التي سوف تفضي تراكماتها حتماً إلى قدرة الشعوب في لحظة ما على أخذ زمام المبادرة، لتقرّر مصيرها بنفسها، وهذا ما نشهد اليوم إرهاصاته المبشّرة في الشارع العربي التي تطالب بالحرية والكرامة والتعددية واحترام الإنسان، وتحرّر الأوطان.
في يومٍ ما من عام 1941، نشرت أشعة الشمس الذهبية خيوطها فوق البيوت المتواضعة في قرية حصين البحر الهادئة، القابعة على هضبة خفيضة تطلُّ على الشاطئ السوري من بعيد. في هذا اليوم، وعلى وجه التحديد، في التاسع عشر من شهر شباط 1941 وُلد سعد الله ونوس في أحد هذه البيوت، التي تعبق برائحة الزيزفون، وتظلّلها أشجار الزيتون والليمون، في فترة كانت فيها سورية تعيش ظروف الاضطراب السياسي، فالحرب العالمية الثانية ما تزال مستعرة، وسورية التي ضحّت كثيراً من أجل استقلالها، ما تزال محتلة من قبل فرنسا، والمفارقة أن فرنسا نفسها غدت آنذاك محتلّة من قبل ألمانيا، التي أعلنت بدورها أن سورية ولبنان أصبحتا منطقة حربية خاضعة لحكومة فيشي، الخاضعة بدورها لألمانيا النازية.
لم تكن صحة سعد الله في الطفولة، كما تقول شقيقته الكبرى، دائماً على ما يرام، لذا نشأ محبّاً للعزلة والقراءة، وفي شهادة نادرة لمعلّمه في المدرسة الابتدائية الأستاذ متري عرنوق، الذي كان جاراً لعائلة ونوس يقول: «لاحظت أن سعد الله كان أكثر وعياً من رفاقه، حتى أولئك الذين يكبرونه سناً».
تبرز علامات الجدّية في سلوكه، وطبيعة اهتماماته المبكرة بالقراءة، على ما تقول شقيقته، من خلال تكوينه لمكتبته الخاصة، وهو في الحادية عشرة من عمره، وكان كتاب جبران خليل جبران «دمعة وابتسامة» أول كتاب يقتنيه سعد الله.
ثمة دفتر مذكرات لسعد الله الفتى، سجّل فيه يومياته، يدلّل على نضجه المبكّر، وطبيعة اهتماماته بالمجلات الجادّة، كمجلة «الآداب» التي كتب في يومياته تقييماً حولها، وهو في الثانية عشرة من عمره، الأمر الذي يبرز ميله المبكّر إلى تكريس حياته للمطالعة والكتابة وطموحه في هذا المجال.
حصل سعد الله في العام 1959 (أيام الوحدة بين مصر وسورية) على شهادة الدراسة الثانوية بتفوّق، الأمر الذي أتاح له الحصول على منحة دراسية إلى كلية الآداب، جامعة القاهرة لدراسة الصحافة، وبينما كان يتابع دراسته في القاهرة، واجه أول صدمة سياسية كبرى في حياته مع وقوع الانفصال بين سورية ومصر.
تخرّج سعد الله من كلية الصحافة في جامعة القاهرة عام 1963، وعاد إلى دمشق، وعُيّن موظفاً في وزارة الثقافة، فعكف على كتابة مسرحيات قصيرة، وصدرت له أول مجموعة بعنوان «حكايات جوقة التماثيل» عام 1965، وفي العام الذي يليه أُوفد إلى باريس لمتابعة دراساته العليا، لكنه سرعان ما عاد إلى سورية إثر زلزال هزيمة 5 حزيران 1967، التي خلخلت أعماقه، فكتب مسرحيته الانتقادية الشهيرة «حفلة سمر من أجل 5 حزيران» التي جعلت منه علماً ذائع الصيت، وفي طليعة المسرحيين العرب.



0 التعليقات:
إرسال تعليق